حسن الأمين
215
مستدركات أعيان الشيعة
التوفيق بين الفلسفة اليونانية والإسلام وأعجب من هذا أن نجد الفيلسوف العربي ، بعد أن حاول أن يثبت اتفاق أفلاطون وأرسطو ، باعتبارهما ممثلين للفلسفة القديمة ، يحاول محاولة جديدة ، وهي أن يثبت أن لا خلاف بين الفلسفة اليونانية من جهة وبين عقائد الشريعة الإسلامية من جهة أخرى . وتعليل ذلك يسير أيضا : فالفارابي كان فيلسوفا ومسلما في آن واحد ، أعني أنه كان موقنا بجلال الفلسفة من جهة وكمال الإسلام من جهة أخرى . فالفلسفة والدين عنده أمران متفقان . لأن كلا منهما حق ، والحق لا يخالف الحق . وأن شئنا قلنا : الفلسفة والدين يعبران عن حقيقة واحدة من وجهين مختلفين ، وكل ما في الأمر أن الفلسفة في سعيها للوصول إلى الحقيقة تستعمل وسائل غير الوسائل التي يعمد إليها الدين . ففي حين أن الدين يلجا إلى طرق التخييل والاقناع النفسي ، تلجأ الفلسفة إلى المعقولات والبرهان المنطقي ، وبينا الفلسفة بطبيعتها تتجه إلى « الخاصة » أو إلى « أصحاب الأذهان الصافية » - كما يقول الفارابي نفسه - نجد الدين إنما يتجه إلى « الكافة » وإلى الجمهور على حسب ما يطيقون . الفيلسوف الكامل والآن ما معنى الفلسفة عند الفارابي ؟ يرى الفارابي أن الفلسفة ليست علما جزئيا ، كعلوم الرياضة والطبيعة والطب وما شاكلها ، وإنما هي علم « كلي » يرسم لنا صورة شاملة للكون في مجموعه . وهذا ما قال به فلاسفة اليونان من قبل . ولكن الفارابي يزيد على فلاسفة اليونان رأيا طريفا ، فيقول : « ان الفيلسوف الكامل » هو الذي يحصل هذا العلم الكلي ، ويكون له في الوقت نفسه قدرة على استعماله ، يعني أنه هو ذلك « الذي يحصل الفضائل النظرية أولا ، ثم الفضائل العملية ببصيرة يقينية » . أما الفيلسوف « الزور » أو « الباطل » فهو ذلك « الذي يشرع في أن يتعلم العلوم من غير أن يكون موطأ نحوها » . ذلك أن الفارابي يرى أن للشروع في النظر الفلسفي شروطا ينبغي توافرها ، وهي في جملتها عبارة عن محبة الصدق والعدل والخير ، وتصفية النفس من شوائب المادة وشواغل الحواس : فان الذي سبيله أن يشرع في النظر الفلسفي « ينبغي أن يكون له بالفطرة استعداد للعلوم النظرية ، وهي الشرائط التي ذكرها أفلاطون في كتابه في السياسة ( يقصد كتاب » الجمهورية « ) : وهي أن يكون جيد الفهم والتصور ، ثم أن يكون بالطبع محبا للصدق وأهله والعدل وأهله ، غير جموح ولا لجوج فيما يهواه ، وأن يكون غير شره على المأكول والمشروب . . ، تهون عليه بالطبع الشهوات والدرهم والدينار وما جانس ذلك ، وأن يكون كبير النفس عما يشين عند الناس ، وأن يكون ورعا ، سهل الانقياد للخير والعدل ، عسر الانقياد للشر والجور ، وأن يكون قوي العزيمة على الصواب » . ثم بعد ذلك يكون « قد ربي على نواميس وعلى عادات تشاكل ما فطر عليه ، وأن يكون صحيح الاعتقاد لآراء الملة التي نشا عليها ، متمسكا ، بالأفعال الفاضلة التي في ملته ، غير مخل بكلها أو بمعظمها . . » . والفيلسوف الباطل هو ذلك الذي « يتعلم العلوم النظرية ولم يزود ولم يعود الأفعال الفاضلة بحسب ملة ما ، ولا الأفعال الجميلة التي هي في المشهور جميلة » ، بل « كان تابعا هواه وشهواته في كل شيء » . ورجل كهذا ، لم يشعر بالغرض الذي التمست له الفلسفة . . ، فحصل على الفلسفة النظرية أو على أجزاء من النظرية فقط ، وظن هذا كافيا ، بل لعله ظن أن الغرض مما حصل منها أن ينال بعض ما يظنه عامة الناس سعادات وخيرات ، فأقام علمها طلبا لذلك ، وطمعا في أن ينال بعض ذلك الغرض . وعندنا أن هذه الحدود والتعريفات تبين - لأول مرة في تاريخ الفكر الفلسفي العربي - أن للفلسفة الصحيحة مهمة « جوانية » على الأصالة ، إذ توحد بين « البصر » و « البصيرة » ، وتؤلف بين النظر والعمل ، حين تجعل الفعل منبثقا من الفكر انبثاقا عفويا طبيعيا لا قسر فيه ولا إعنات . وتذكرنا هذه الأفكار الفارابية العميقة بأفكار شبيهة بها سيوردها الفيلسوف اليهودي « اسبينوزا SpinozA » الذي عاش في القرن السابع عشر ، وتأثر بآراء الفارابي تأثرا لا نزاع فيه بشهادة الباحثين الغربيين أنفسهم . ولعل الفارابي ، بين فلاسفة الإسلام القدماء ، هو الفيلسوف الحق بالمعنى الذي بينه هو نفسه في كتبه ورسائله : فقد عرفنا من سيرته أنه أراد أن يحيا على وفاق مع المباديء التي وضعها في مذهبه ، وحاول أن يكون فيلسوفا في سره وعلانيته ، في جوانية وبرانية ، وفي فكره وسلوكه . وواضح من تأملات الفارابي أن للفلسفة أهلها « الموطئين » نحوها ، أي المستعدين لها . وليس كل حافظ للعلوم فيلسوفا ، ومن اشتغل بالفلسفة طمعا في جاه أو رئاسة أو مال ، فهو « براني » دخيل عليها ، وليس من أهلها على الحقيقة ، وإنما هو - على قول الفارابي - فيلسوف « زور » و « بهرج » و « باطل » ، وخليق به أن ينبذ من زمرة « الخاصة » المصطفين ، وأن يسلك في عداد الدجالين المهرجين . . المدينة الفاضلة أو الدولة المثالية وفيما أجملنا من فلسفة الفارابي ما يظهرنا على مبلغ عنايته بالأخلاق والحياة الفاضلة . ولكن الفيلسوف العربي كان معنيا بالسياسة أيضا : كان يحلم بتنظيم العالم تنظيما شاملا يجعل منه دولة مثالية ، على غرار جمهورية أفلاطون ، أو « مدينة » صالحة عاقلة ، تكون رئاسة الحكم فيها لفيلسوف قد صفت نفسه حتى كاد أن يكون نبيا . والمدينة الفاضلة التي ينشدها الفيلسوف العربي هي نموذج لمجتمع انساني « متمدن راق ، يؤدي كل فرد فيه وظيفته الخاصة التي تلائم كفاياته واستعداده . وأفراد المجتمع - كأعضاء البدن - متضامنون متعاونون على الأشياء التي تنال بها السعادة الحقيقية والخير الأفضل والكمال الأقصى . وهم جميعا يخضعون لرئيس المدينة ويتشبهون به ، لأن ذلك الرئيس قد أوتي من الخصال الرفيعة ما يصعب تحققه في عامة الناس ، فهو سليم البنية ، جيد الذهن ، ثاقب الذكاء ، حاضر البديهة ، ماضي العزيمة ، حصيف صادق ، عادل نزيه ، متجرد من المادة ، مؤثر للذائذ الروحية . ويقرر الفارابي أن « رئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان اتفق ، لأن الرئاسة انما تكون بشيئين : أحدهما أن يكون بالفطرة والطبع معدا لها ، والثاني بالهيئة والملكة والإرادة . فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه إنسان آخر أصلا ، وهو الامام ، وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة ، وهو رئيس الأمة الفاضلة ، ورئيس المعمورة من الأرض كلها » . وتذكرنا الخصال التي يتحلى بها رئيس المدينة الفارابية بصفات الفيلسوف الأفلاطوني في « الجمهورية » ، وتذكرنا كذلك ، في صورة أوضح ، بالصفات التي أضفاها الرواقيون على « الحكيم » الذي جعلوه حائزا جميع الفضائل . وكما كان « الحكيم » الرواقي شخصا يعسر تحققه على الأرض ، فرئيس المدينة الفاضلة ، عند الفارابي ، شخص يعسر وجوده كذلك . ولكن الفارابي يضيف إلى خصال الرئيس التي ذكرناها خصلة